skip to content
Ynmo
للممارسين

هل آن الأوان لإعادة النظر في معايير القبول في مراكز الرعاية النهارية وخدمات التربية الخاصة للأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة؟

من التشخيص إلى الاحتياج الوظيفي: نحو معايير أكثر عدالة لتحديد أهلية الخدمات

شهد عام 2026 تطورًا علميًا مهمًا في مجال اضطراب طيف التوحد، حيث نشر الباحث Siegel وزملاؤه دراسة في مجلة Molecular Autism توصلت إلى تعريف بحثي توافقي لفئة «التوحد الشديد» (Profound Autism)، بهدف تسليط الضوء على الأفراد الذين يحتاجون إلى مستويات مرتفعة ومستمرة من الرعاية والدعم.

ولا يهدف هذا التعريف إلى استحداث تشخيص طبي جديد، بل إلى توفير إطار علمي أكثر وضوحًا لتحديد خصائص هذه الفئة واحتياجاتها، وتطوير الأبحاث والخدمات الموجهة إليها.

ما المعايير المقترحة للتوحد الشديد؟

وفقًا للدراسة، يتطلب انطباق التعريف البحثي توافر المعايير التالية:

  1. التشخيص: استيفاء المعايير التشخيصية لاضطراب طيف التوحد.
  2. العمر: أن يبلغ الفرد ثماني سنوات على الأقل، مع الإقرار بأن بعض السمات قد تظهر في أعمار أبكر.
  3. الإشراف المستمر: الحاجة إلى إشراف دائم من شخص بالغ لضمان السلامة والصحة والرفاه، بسبب مخاطر مثل الهروب أو ضعف إدراك المخاطر المحيطة.
  4. المهارات التكيفية: وجود قصور شديد في الاستقلالية والقدرة على أداء معظم أنشطة الحياة اليومية، مثل الاستحمام وارتداء الملابس وإعداد الطعام.
  5. القدرات المعرفية والتواصلية: وجود ضعف شديد في القدرات المعرفية، ويُستدل عليه عادةً بمعدل ذكاء أقل من 50، و/أو محدودية شديدة في التواصل اللفظي، بحيث يقتصر غالبًا على كلمات مفردة أو عبارات ثابتة للتعبير عن الاحتياجات الأساسية.
  6. استمرارية الاحتياج: أن تكون هذه الخصائص مستمرة وغير مؤقتة، وتظهر عبر البيئات والمواقف المختلفة.

هذه المعايير تطرح قضية مهمة تتجاوز اضطراب طيف التوحد، وهي أن التشخيص الطبي وحده لا يعكس بالضرورة حجم الاحتياج الفعلي للفرد أو مستوى الدعم الذي يحتاج إليه.

ماذا يعني ذلك لخدمات الأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة؟

حققت المملكة العربية السعودية تقدمًا كبيرًا في تطوير خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوسيع برامج التأهيل والتربية الخاصة، وتعزيز حقوق المستفيدين وجودة حياتهم.

ومع ذلك، فإن بعض معايير الأهلية والقبول ما زالت ترتبط بنوع الإعاقة أو درجة الذكاء أو الحالة التشخيصية، أكثر من ارتباطها بالتقييم الشامل للاحتياج الوظيفي ومستوى الدعم المطلوب.

فعلى سبيل المثال، تتضمن شروط القبول المنشورة لخدمات مراكز الرعاية النهارية الأهلية أن يكون المستفيد من فئة ذوي الإعاقة الذهنية المتوسطة أو الشديدة، كما تشير الإرشادات المنشورة إلى حد معين لدرجة الذكاء، واشتراطات تتعلق بالسلوك والالتحاق بالتعليم.

ورغم أهمية هذه الضوابط في تنظيم الخدمات، فإنها تفتح المجال للتساؤل حول مدى قدرتها على استيعاب التنوع الكبير في احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة.

فقد يحمل طفلان التشخيص نفسه، لكن أحدهما يتمتع باستقلالية عالية نسبيًا، بينما يحتاج الآخر إلى إشراف مستمر بسبب مخاطر الهروب، أو ضعف إدراك المخاطر، أو عدم القدرة على تلبية احتياجاته الأساسية.

فهل من المنطقي أن يحصل كلاهما على مستوى الدعم نفسه لمجرد اشتراكهما في التشخيص؟ وهل ينبغي أن يكون معدل الذكاء وحده عاملًا حاسمًا في تحديد أهلية الحصول على بعض الخدمات؟

وهنا يبرز السؤال الأهم:

بدلًا من أن نسأل فقط: «ما تشخيص الفرد؟»، ألا ينبغي أن نسأل أيضًا: «ما مقدار الدعم الذي يحتاج إليه ليعيش بأمان وكرامة ويحقق أفضل مستوى ممكن من الاستقلالية؟»

نحو معايير أهلية ترتكز على الاحتياج الفعلي

قد يكون من المناسب إعادة النظر في معايير الأهلية لخدمات الرعاية النهارية والتربية الخاصة، بحيث تتضمن تقييمًا أكثر شمولًا لمجموعة من المؤشرات الوظيفية، من أبرزها:

  • مستوى الاستقلالية في أنشطة الحياة اليومية والحاجة إلى الإشراف المستمر.
  • مستوى المهارات التكيفية والتواصل الوظيفي.
  • وجود سلوكيات أو ظروف قد تعرض الفرد أو الآخرين للخطر.
  • حجم الدعم الذي يحتاج إليه الفرد والأسرة، ومدى استمرارية هذه الاحتياجات عبر البيئات المختلفة.
  • مستوى المشاركة في الأنشطة التعليمية والاجتماعية والمجتمعية، والعوائق التي تحد منها.

والأهم أن هذا التوجه لا يقتصر على الأفراد ذوي التوحد الشديد، بل يمكن أن يمتد إلى فئات أخرى، مثل الإعاقة الذهنية، والإعاقات المتعددة، والشلل الدماغي، والإعاقات النمائية والجسدية الشديدة، مع مراعاة الخصائص المختلفة لكل فئة.

هل نحتاج إلى مقياس وطني موحد لتحديد مستوى الدعم؟

قد تمثل هذه التطورات العلمية فرصة لدراسة تطوير إطار وطني موحد لتقييم الاحتياج الوظيفي ومستوى الدعم، يُستخدم إلى جانب التشخيص والتقارير الطبية والتقييمات التربوية والتأهيلية.

ويمكن أن يساعد مثل هذا الإطار على الانتقال من قرارات الأهلية الثنائية، القائمة على القبول أو الرفض، إلى قرارات أكثر دقة تحدد نوع الخدمة وكثافتها ومدتها.

فبعض المستفيدين قد يحتاجون إلى برامج تأهيل نهارية مكثفة وإشراف مستمر، بينما قد يستفيد آخرون من الدمج التعليمي المدعوم، أو الخدمات المنزلية، أو برامج التأهيل المهني والمساندة الأسرية.

كما يمكن لهذا النهج أن يدعم توزيع الموارد بحسب حجم الاحتياج الفعلي، وقياس نتائج التدخلات، وتعزيز التكامل بين قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، دون أن يتحول التقييم إلى وسيلة لاستبعاد المستفيدين أو تقليص حقوقهم.

ومن المهم أيضًا التمييز بين استخدام تعريف «التوحد الشديد» لأغراض البحث العلمي وبين استخدام التقييم الوظيفي لتحديد أهلية الخدمات؛ فالأخير يجب أن يشمل جميع الفئات العمرية، بما فيها الأطفال دون سن الثامنة الذين قد يحتاجون إلى تدخلات مكثفة ومبكرة.

الخلاصة

إن إعادة النظر في معايير أهلية الخدمات لا تعني إلغاء أهمية التشخيص الطبي أو تصنيفات الإعاقة، بل تعني استكمالها بمؤشرات موضوعية تعكس واقع الفرد واحتياجاته اليومية.

فالعدالة في تقديم الخدمات لا تعني بالضرورة تقديم الخدمة نفسها للجميع، وإنما ضمان حصول كل فرد على نوع الدعم ومستواه المناسبين لاحتياجاته.

وقد تكون هذه فرصة لتطوير منظومة أكثر مرونة وإنصافًا، تسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

والسؤال الذي يستحق النقاش اليوم: هل حان الوقت للانتقال من معايير أهلية تتمحور حول التشخيص إلى منظومة ترتكز على الاحتياج الوظيفي الفعلي ومستوى الدعم المطلوب؟

أدخل معلومات التواصل

سنتواصل معك خلال 24 ساعة